ذواتنا في ظل الآخرين: أين ينتهي التأقلم ويبدأ الفقد؟
جلست مع صديقة قديمة بعد أعوام من الغياب، أعوام تسللت خلالها مسافة لا تُرى، ولا تُقاس، لكنها توارت خلف صمتٍ كثيف. كانت تبتسم وهي تسرد تفاصيل أيامها، تسترجع الأحداث بنبرة هادئة، كمن تجاوز شيئًا لم يُروَ بعد، غير أن شيئًا خفيًّا كان غائبًا عن المشهد؛ حزنٌ غير معلن، لكنه حاضر، كفراغٍ مفاجئٍ ملأ المكان، كأن الحيز ذاته تنفس وحدته.
« حيث كنتَ،
ثَمّ فجوةٌ في الوجود،
أطوفُ حولها نهارًا،
وأهوي فيها إذا جنَّ الليل. »
— إدنا سانت فنسنت ميلاي.
بعض الخسائر لا تحتمل التأويل، تهوي كالسيف، حادّة، فاصلة، تقسم الزمن بين « ما كان » و « ما لن يكون » — خسائر نهائية، لا رجعة فيها، لا مساومة عليها. موتٌ مباغت، حادثٌ يزلزل اليقين.. غيابٌ يهجم بغتة.
خسائر لا تتيح مجالًا للشك، ولا تمنحك رفاهية التأجيل، نلتفُّ حولها بصمتٍ خانق، نمنحها اسمًا، ونرسم لها ملامح، علنا نخلدها في الذاكرة قبل أن يبتلعها العدم. لكن ثمة خسائر أخرى... لا تطرق الأبواب، بل تتسلل بهدوء.
تآكل الروابط، ذبول ملامح من كان يومًا جزءًا منا. خسارات تمتد بنا إلى ما هو أبعد من الحزن عليهم، فنرثي ذواتنا التي تلاشت معهم. لا طقوس لهذا الحزن، ولا شرعية تعترف به.. ومع ذلك، يبقى أثره ممتدًا، كفقدٍ بلا نهاية. غالبًا ما يظل هذا الفقد على هامش نقاشات الحزن، ومع ذلك، تناوله علماء النفس والأعصاب والفلاسفة. ومن خلال التعمق في جذوره النفسية، وتتبع امتداداته عبر التجربة والتاريخ، قد نراه أوضح، وندرك ثقله كما هو.
يرتبط الحِداد في الوعي الجمعي عادةً بالموت، وكأن الفقد لا يُعد فقدًا إلا برحيل الجسد، غير أن علم النفس الحديث يكشف عن وجوهٍ أخرى للفقد، أكثر خفاءً وتعقيدًا، لا تقل وطأة، وإن كانت أقل حضورًا في الاعتراف واللغة.
طرحت المعالجة الأسرية والباحثة بولين بوس مفهوم « الفقد الغامض »، لتصف به ذلك الفراغ المربك الذي يخلفه غياب غير مكتمل، غياب لا يحسم ولا يفهم تمامًا — حين يكون الشخص موجودًا جسديًا، لكنه غائب نفسيًا أو عاطفيًا. فقدٌ بلا وداع، بلا عزاء، بلا نهاية تُسدل ستار الألم، يترك صاحبه عالقًا بين التعلق بالماضي ومحاولة التكيف مع الحاضر. تقول بوس: "على خلاف الموت، لا يحظى الفقد الغامض باعتراف رسمي، ولا تسنده طقوس، ولا يرافقه يقين، ولا تُكتب له نهاية."
لم يعد هذا التمزق الداخلي شعورًا مبهمًا؛ فقد كشفت أبحاث علم الأعصاب أن الروابط الإنسانية تُرسخ شبكات عصبية عميقة، يغدو معها وجود من نحب جزءًا لا ينفصل عن بنيتنا النفسية والإدراكية.
ووفقًا لنظرية التعلق التي طورها كل من جون بولبي وماري أينسوورث، فإن هذه الروابط لا تنقطع بسهولة، بل تتجذر عميقًا في بنية الدماغ، وحين يغيب من كان يومًا مألوفًا، أو يتغير رغم حضوره، يسجل العقل هذا التحول كجرحٍ مفتوح لا يندمل، يعجز عن تصديقه. فيتفاعل الجهاز الحوفي — المسؤول عن معالجة المشاعر — مع هذا الغياب كما لو كان فقدًا حقيقيًا أو حدادًا على موت فعلي.
كما تشير أبحاث نايومي آيزنبرغر، أستاذة الفسيولوجيا الاجتماعية بجامعة كاليفورنيا، إلى أن الرفض أو الانفصال العاطفي العميق يُنشط القشرة الحزامية الأمامية، وهي ذاتها المسؤولة عن معالجة الألم الجسدي. وفي دراسة أجرتها باستخدام التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي (fMRI)، ظهر أن الدماغ يتعامل مع هذا الفقد كما لو أنه وفاة حقيقية. وأن مسكنًا بسيطًا كالباراسيتامول قد يخفف من وطأة الألم العاطفي، في تأكيد علمي أن الحزن ليس مجرد شعور عابر، بل تجربة عصبية تتجاوز العاطفة إلى البنية العصبية نفسها.
للتعلّق جذورٌ متأصلة في علم النفس السلوكي؛ فقد درس العالمان دانيال كانيمان وآموس تفيرسكي ميل الدماغ إلى ما يُعرف بـ"التفكير البديل" — وهو استحضار سيناريوهات محتملة لم تحدث، لكنها تظل حاضرة في الوجدان وكأنها وقائع موازية. وقد بينت أبحاثهما أن الشعور بالفشل يشتدّ كلما اقترب صاحبه من النجاح دون أن يبلغه، في ظاهرة تُعرف بـ"تأثير الإحباط القريب" (Near Miss Effect)، حيث يبدو الإخفاق أكثر وطأة حين يفصله عن النجاح هامش ضئيل.
هذا النوع من التفكير يُنشط قشرة الفص الجبهي والجهاز الحوفي، وهما الجزءان المعنيان بتنظيم الانفعالات واتخاذ القرار. كما أظهرت دراسة أجرتها جامعة كورنيل أن أصحاب المركز الثاني غالبًا ما يعانون شعورًا بالإحباط يفوق ما يشعر به أصحاب المركز الثالث، إذ يبقون عالقين في ما كاد أن يكون، فيما يرى الثالثون موقعهم بقدرٍ أكبر من التقبّل والرضا.
يتجلى ذلك في مقولة نيتشه: «الروابط غير المرئية هي الأقوى»، إذ إن الأثر النفسي لما «كاد أن يكون» — من فرص مهدورة وأحلام مؤجلة — قد يفوق في ثقله ما تحقق بالفعل. فهو لا يُعد وهمًا عابرًا، بل غصّة صامتة مشحونة بإمكانيات مكبوتة، وأمنيات لم تُخذل كليًا. وكلما اقترب الشيء من الاكتمال ثم تلاشى، ازداد رسوخًا في الذاكرة، إذ يخلّف بابًا مواربًا لاحتمالات معلقة لا تنطفئ.
حتى بعد الغياب، يواصل الدماغ التعامل مع الآخرين بوصفهم حاضرين، مستندًا إلى نماذج ذهنية تشكلت بفعل القرب والتجربة. وحين يتغيّر من نحب — تدريجيًا أو فجأة — تتصدّع هذه التصوّرات، ويظهر ما يُعرف بالتنافر المعرفي، حيث يجد العقل نفسه ممزقًا بين صورتين متباعدتين: من كان، ومن أصبح. وكلما كانت العلاقة أعمق، كان الانهيار أشد وطأة.
وهذا التمزق بين ما نراه وما نأمل أن نراه يجد صداه في الفكر الفلسفي أيضًا، فقد رأى جان بول سارتر، أحد أبرز فلاسفة الوجودية، أن معرفتنا بالآخرين مشوّهة بإسقاطاتنا واحتياجاتنا. وقد كتب في الوجود والعدم أن «الجحيم هو الآخرون» — لا لأنهم مصدر للألم بطبيعتهم، بل لأننا نراهم من خلال عدسة توقعاتنا، لا على حقيقتهم. وبالمثل، تشير الفلسفة البوذية إلى أن المعاناة تنشأ من التعلّق بما هو زائل؛ إذ إن كل شيء في حالة تغير دائم، خارج إرادتنا. أن نرثي شخصًا لا يزال حيًّا، هو مواجهة لحقيقة قاسية: أن الوجود ليس ثابتًا ولا مضمونًا، وأن الفقد لا يكون بالموت وحده، بل بالتحول؛ حين يعيد الزمن تشكيل من ظنناهم يومًا ثابتين.
إذًا، لعل العذاب الأكبر لا يكمن في وجود الآخرين، بل في تبدلهم؛ في انزلاقهم خارج حدود ما ألفناه عنهم. فنحن لا نتعلق بهم فحسب، بل بتصورات نسجناها في ذاكرتنا، وشكلتها توقعاتنا. وحين يتغيرون — بإرادتهم أو بفعل الزمن — ينبثق سؤال مرير: هل عرفناهم حقًا، أم كنا نرى انعكاس رغباتنا لا حقيقتهم؟
ولأن علاقتنا بالآخر لا تترك أثرًا خارجيًا فقط، بل تمس عمق التكوين الداخلي، فقد نظر كارل يونغ إلى النفس البشرية باعتبارها شبكة من "الذوات" التي تتشكل من خلال التفاعل مع العالم. فكل علاقة تكشف جانبًا خفيًا فينا، وتمنحنا دورًا ما كان ليظهر لولا انعكاسه في الآخر. ولهذا، حين يغيب شخص محوري عن حياتنا، لا نفقده وحده، بل نفقد امتدادًا لأنفسنا كان لا يُرى إلا من خلاله.
في هذا السياق، لا يكون الحداد مجرد فقدان لشخص، بل انهيارا انطولوجيا؛ اهتزازا في الكينونة التي تشكلت في حضرة الآخر. يصف بول ريكور ذلك بانقطاع في "الهوية السردية" — ذلك الخط الداخلي الذي يشكل وعينا بالذات. ومع غياب الآخر، يتعثر المعنى، ويحل الصمت. ويؤكد علم الاعصاب هذا المعنى؛ اذ تشير الصور الدماغية الى ان الالم الاجتماعي — كالفقد او الرفض — ينشط الدوائر العصبية ذاتها المسؤولة عن الالم الجسدي. فبالنسبة للدماغ، لا يختلف كسر العظم كثيرا عن كسر الروابط.
الأمر اشبه بانكسار مرآة كانت تعكس جزءا من كياننا؛ لحظة تفكك وإعادة بناء، واختبار لصمودنا امام التحول العميق. فكل فقد يترك شرخا، يستدعي الترميم، او ربما يعيد تشكيلنا على نحو يناسب واقعا جديدا فرض حضوره.
لعل أقسى الخسائر ليست تلك التي نُسميها، بل تلك التي بقيت معلقة على حافة الاحتمال؛ ما لم يكتمل، ولم يُنسَ — مسارات انطفأت قبل أن تبدأ، ونسخ منا لم يُكتب لها أن توجد. احتمالات صامتة في هوامش الذاكرة، عصية على النسيان.
وإذا كانت الذات، من منظور فينومينولوجي، لا تتشكل في عزلة، بل هي دومًا كائن في العالم، تنشأ عبر السياق، والتفاعل، والحضور، فإن النسخة التي نصيرها في وجود الآخر ليست قناعًا، بل تجلٍ أصيل لذات تشاركية، تنبع من العلاقة بقدر ما تنبع من الداخل.
لذلك، فإن ما لم يحدث، ومن لم نكمله، لا يغيب بلا أثر؛ بل يترك خللًا في سيرورة التكوين، وفراغًا في النسيج الذي نصوغ من خلاله وعينا بالذات.
يدعم علم الأعصاب هذا التصور؛ فالخلايا العصبية المرآتية تُظهر كيف تحاكي أدمغتنا فعليًّا الحالات الشعورية لمن حولنا. حين نشعر بأن أحدهم «يرانا» أو «يفهمنا»، تتزامن أدمغتنا معه. هذا ليس وهمًا، بل تجسيدٌ عصبي يؤكد أن الذات كائنٌ ناشئ — تنبثق من العلاقة، لا بالرغم منها. يتماشى هذا مع نظرية إريك إريكسون في التطور النفسي-الاجتماعي، إذ يتطلب بناء الهوية تكاملًا بين الأبعاد الشخصية والاجتماعية. فالانتماء والعلاقات الحميمية لا تشكل جوانب هامشية في بناء الذات، بل تمثل جوهر إدراكنا لها عبر الآخر. وعند فقدان من نحب، لا يقتصر الأثر على الحزن، بل يمتد ليزعزع تصورنا لأنفسنا؛ إذ إن الهوية تستمد تماسكها من الاستمرارية، وحين يغيب من كان جزءًا من هذا الامتداد، يفرض الغياب سؤالًا ملحًا: من نكون في ظل فقدهم؟
إذًا لم يكن شعوري معهم مجردًا — بل كان تزامنًا عصبيًّا حقيقيًّا؛ دماغي تناغم مع دماغ الآخر!
لكن.. إن كانت الذات تُبنى مع الآخر، فماذا يتبقى منها حين يغيب؟
الفيلسوف مارتن بوبر تحدّث عن العلاقة من نوع «أنا–أنت»، حيث تتشكّل الذات من خلال اللقاء الصادق المتبادل. وعندما تنكسر هذه الرابطة، لا تبقى «الأنا» كما كانت — بل تنكمش، وتخفت، وتتشظى.
لعل هذا هو جوهر الحِداد الذي يطاردني: أن ما يؤلمني ليس اختفاءهم، بل اختفائي معهم.
فماذا نفعل بهذا الحزن؟ إن لم تكن هناك جنازة، ولا تأبين، ولا وداع حاسم؟
قد لا أجد إجابة شافية، لكن ربما يكمن الحل في إعادة تأطير الفقد؛ فبدلًا من مقاومة التحولات، يمكننا أن نراها فرصةً للنمو. قد لا يكون الحزن عائقًا، إنما تذكيرًا خفيًا بقدرتنا على التأقلم، وبأن حياتنا — رغم كل ما فقدناه — تظل قابلة لإعادة التشكيل.
قد لا نتمسك بالحداد حبًّا في الألم، بل لأنه الصدى الأخير لصوتٍ عرفناه. ولا نُطيل التحديق في السراب إلا لأنه آخر ما يعكس ملامحنا القديمة؛ نتمسك به، لا حبًّا في الوهم، بل شوقًا لما كنا عليه. في لحظةٍ ما، يصمت الانتظار، ويسكن الترقّب، وتتجلى ذواتنا… لنرى في المرآة وجهًا مألوفًا في غرابته، هو الأقرب إلى حقيقتنا.
« يحين وقتٌ،
تدرك فيه أن الأفكار المرهقة ذاتها
ستعاود طرق بابك،
تتسلل إليك كصحن خبزٍ بارد،
يابس، باهت، مألوف.ومع ذلك، تمد يدك وتأخذه،
لأنه آخر ما تبقى
من شيءٍ كان يومًا حيًّا فيك. »
قال جان بول سارتر إن « الوجود يسبق الماهية ». فنحن لا نولد بذواتٍ مكتملة، بل نصير أنفسنا عبر أفعالنا، ومواقفنا، وخساراتنا. الذات لا تُكتشف كما لو كانت كنزًا مدفونًا، بل تُبنى… شيئًا فشيئًا.
وهذه الفكرة — رغم ما فيها من عزاء — تحمل قلقًا عميقًا. فهي تعني أن الذات التي أفتقدها، تلك النسخة التي كانت دافئة، منفتحة، شجاعة، ومزهرة بوجودهم، لم تكن وهمًا عاطفيًّا؛ بل كانت تجليًا ممكنًا لما يمكن أن أكون عليه.
نسخة… لا تزال قابلة للعودة!
لم أعد أفتش عن ذاتي، بل أبينها — بوعي — صفةً تلو صفة، وذكرى بعد ذكرى، ببطءٍ لا يُشبه العودة، بل يُشبه التشكيل. أنا النحات.. والطين.. في آنٍ معًا.



ليست مقالاً بقدر ماهي تعزية مخبئة بين السطور للجنازات التي لم تدفن، ممتنة على هذا العزاء بكل مافيه من شجن
توني حملت التطبيق وهذا أول مقال أقرأه😢😔